السيد حيدر الآملي
480
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
أي بيّن الأمور على ما هي عليه بإعطاء كلّ شيء خلقه . ( في بيان كون القرن نورا وان الخيال لا يخطأ ) وأمّا كون القرن من نور ، فإن النّور سبب الكشف والظهور إذ لولا النور ما أدرك البصر شيئا فجعل اللّه هذا الخيال نورا يدرك به تصوير كلّ شيء أيّ أمر كان ، كما ذكرناه ، فنوره ينفذ في العدم المحض فيصوّره وجودا ، فالخيال أحقّ باسم النور من جميع المخلوقات الموصوفة بالنّوريّة فنوره لا يشبه الأنوار ، وبه تدرك التجلّيات وهو نور عين الخيال ، لا نور عين الحسّ ، فافهم ! فإنّه ينفعك معرفة كونه نورا فتعلم الإصابة فيه ممّن لا يعلم ذلك ، وهو الّذي يقول : هذا خيال فاسد ، وذلك لعدم معرفة هذا القائل بإدراك النّور الخيال الّذي أعطاه اللّه تعالى ، كما أنّ هذا القائل يخطّئ الحسّ في بعض مدركاته ، وإدراكه صحيح والحكم لغيره لا إليه ، فالحاكم أخطأ لا الحسّ ، كذلك الخيال أدرك بنوره ما أدرك وماله حكم ، وانّما الحكم لغيره وهو العقل فلا ينسب إليه الخطأ ، فإنّه ما ثمّ خيال فاسد قطّ بل هو صحيح كلّه . وأمّا أصحابنا فغلطوا في هذا القرن فأكثر العقلاء جعل أضيقه المركز ، وأعلاه الفلك الأعلى الّذي لا فلك فوقه ، وأنّ الصّور الّتي يحوي عليها صور العالم ، فجعلوا واسع القرن الأعلى ، وضيقه الأسفل من العالم . وليس الأمر كما زعموا بل لمّا كان الخيال كما قلنا يصوّر الحقّ فمن دونه من العالم حتّى العدم ، كان أعلاه الضّيّق وأسفله الواسع ، وهكذا خلقه اللّه فأوّل ما خلق منه الضّيّق ، وآخر ما خلق منه ما اتّسع ، وهو الّذي يلي